ابن أبي الحديد
199
شرح نهج البلاغة
قلت : قد ذكرنا فيما تقدم القول في تولية الملك بعض أصحابه ، وترك تولية بعضهم ، وكيفية الحال في ذلك ، على أنه قد روى أصحاب المغازي أنه أمر أبا بكر في شعبان من سنة سبع على سرية بعثها إلى نجد فلقوا جمعا من هوازن فبيتوهم ( 1 ) ، فروى إياس بن سلمة عن أبيه قال : كنت في ذلك البعث ، فقتلت بيدي سبعة منهم ، وكان شعارنا : " أمت أمت " ، وقتل من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) قوم ، وجرح أبو بكر وارتث ( 2 ) وعاد إلى المدينة ، على أن أمراء السرايا الذين كان يبعثهم ( صلى الله عليه وآله ) كانوا قوما مشهورين بالشجاعة ولقاء الحروب ، كمحمد بن مسلمة ، وأبى دجانة ، وزيد بن حارثة ونحوهم ، ولم يكن أبو بكر مشهورا بالشجاعة ولقاء الحروب ، ولم يكن جبانا ولا خوارا ( 3 ) وإنما كان رجلا مجتمع القلب عاقلا ، ذا رأى وحسن تدبير ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يترك بعثه في السرايا ، لان غيره أنفع منه فيها ، ولا يدل ذلك على أنه لا يصلح للإمامة ، وأن الإمامة لا تحتاج أن يكون صاحبها من المشهورين بالشجاعة ، وإنما يحتاج إلى ثبات القلب ، وألا يكون هلعا طائر ( 4 ) الجنان . وكيف يقول المرتضى : إنه ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن محتاجا إلى رأى أحد ، وقد نقل الناس كلهم رجوعه من رأى إلى رأى عند المشورة ، نحو ما جرى يوم بدر من تغير المنزل لما أشار عليه الحباب بن المنذر ، ونحو ما جرى يوم الخندق من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة إلى عيينة بن حصن ليرجع بالأحزاب عنهم ، لأجل ما رآه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة من الحرب ، والعدول عن الصلح ، ونحو ما جرى في تلقيح النخل بالمدينة وغير ذلك ! فأما ولاية أبى بكر الموسم فأكثر الاخبار على ذلك ، ولم يرو عزله عن الموسم إلا قوم من الشيعة .
--> ( 1 ) بيتوهم ، أي دبروا أمرهم . ( 2 ) ارتث ، على البناء للمجهول : حمل من المعركة رثيثا ، أي جريحا وبه رمق . ( 3 ) الخوار : الضعيف . ( 4 ) الهلع : أفحش الجمع .